عمر فروخ

26

تاريخ الأدب العربي

ولمّا عاد نصر الهورينيّ من فرنسة إلى القاهرة تولى رئاسة التصحيح ( تصحيح الكتب المطبوعة ) في المطبعة الأميرية ( مطبعة بولاق ) . وقد صحّح عددا كبيرا من الكتب . ولا شكّ في أنّه كان له معاونون في التصحيح ، ولكنّ هذا لا يمنع من أن يكون هو المسؤول عن الكتب التي صحّحها هو وعن الكتب التي قد صحّحها أعوانه أيضا . ونحن نعرف أن الكتب التي خرجت من المطبعة الأميرية في بولاق كانت مضبوطة ضبطا يدعو إلى الإعجاب ( يزيد في الدقّة كثيرا على بعض ما يسمّى اليوم « تحقيقا » ) . ومن المنتظر أن يكون أعوان الهورينيّ في تصحيح الكتب بارعين مثله في أمر اللّغة . غير أنّنا لا يجوز أن ننسى أن كثيرا من الضّبط لنصّ الكتب المطبوعة في المطبعة الأميرية كان يرجع إلى التأنّي الذي امتاز به القرن الماضي - إذا قورن ذلك التأنّي بالسّرعة الطاغية على الناس في القرن الحاضر . وكانت وفاة نصر الهورينيّ سنة 1291 للهجرة ( 1874 م ) « 1 » إنّ نصرا الهورينيّ يستحقّ دراسة تنصفه وتضع جهوده في ضبط الكتب التي صحّح « ملازمها » ( كما نقول في عالم الطّباعة ) في إطارها الصحيح بالكشف عن أمانة هذا الرجل ومقدرته وفي العمل الذي قام به في تصحيح الكتب . وقد كنت اقترحت على الدكتور إبراهيم مدكور - رئيس مجمع اللّغة العربية في القاهرة - أن يتولّى أحد أعضاء المجمع من الإخوة المصريين هذا العمل ( وأهل مكّة أدرى بشعابها ) . ولعلّه فاعل - إنّ شاء اللّه . ونعود إلى المستشرقين وتحقيق الكتب . كانت الغاية من تحقيق الكتب العربيّة - لما بدأ المستشرقون ينشرون تلك الكتب - إخراج كتب التّراث العربيّ بالنصّ الذي جاء على أقلام مؤلّفيها . كان من المنتظر أن نرى كتبا نشرت بالتصوير ثمّ كتبا نشرت بالحروف مجرّدة من الشكل

--> - الأدبية إلى نفر من الأدباء والصحافيّين في لبنان فيجب أن نصحّحه بأن هذا الذي كان في لبنان جاء بعد التفتّح العربي في مصر بنحو جيل من الدهر أو يزيد . ولهذه القصة حديث طويل سيأتي . ( 1 ) بروكلمن ، الملحق 2 : 726 ؛ الأعلام للزركلي 8 : 351 ( 29 ) ؛ معجم المطبوعات العربية لسركيس ، الصفحات 1902 - 1904 .